ابن كثير
163
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني » فلما أبى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يقبل صدقته رجع إلى منزله ، فقبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم يقبل منه شيئا ، ثم أتى أبا بكر رضي اللّه عنه حين استخلف فقال قد علمت منزلتي من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وموضعي من الأنصار فاقبل صدقتي ، فقال أبو بكر لم يقبلها منك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبى أن يقبلها ، فقبض أبو بكر ولم يقبلها . فلما ولي عمر رضي اللّه عنه أتاه فقال : يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي فقال : لم يقبلها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا أبو بكر وأنا أقبلها منك ؟ فقبض ولم يقبلها ، فلما ولي عثمان رضي اللّه عنه أتاه فقال : اقبل صدقتي فقال لم يقبلها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك ؟ فلم يقبلها منه فهلك ثعلبة في خلافة عثمان . وقوله تعالى : بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ الآية ، أي أعقبهم النفاق في قلوبهم بسبب إخلافهم الوعد وكذبهم كما في الصحيحين عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان » « 1 » وله شواهد كثيرة ، واللّه أعلم . وقوله : أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ الآية ، يخبر تعالى أنه يعلم السر وأخفى ، وأنه أعلم بضمائرهم وإن أظهروا أنه إن حصل لهم أموال تصدقوا منها وشكروا عليها فإن اللّه أعلم بهم من أنفسهم ، لأنه تعالى علام الغيوب أي يعلم كل غيب وشهادة وكل سر ونجوى ويعلم ما ظهر وما بطن . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 79 ] الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 79 ) وهذا أيضا من صفات المنافقين لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم ، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا هذا مراء ، وإن جاء بشيء يسير قالوا : إن اللّه لغني عن صدقة هذا ، كما روى البخاري حدثنا عبيد اللّه بن سعيد ، حدثنا أبو النعمان البصري ، حدثنا شعبة عن سليمان عن أبي وائل عن أبي مسعود رضي اللّه عنه قال : لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا ، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا : مرائي ، وجاء رجل فتصدق بصاع : فقالوا إن اللّه لغني عن صدقة هذا . فنزلت الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ « 2 » الآية . وقد رواه مسلم أيضا في صحيحه من حديث شعبة به . وقال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا يزيد حدثنا الجريري عن أبي السليل قال : وقف علينا رجل
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الشهادات باب 28 ، ومسلم في الإيمان حديث 107 ، 109 . ( 2 ) أخرجه بلفظ « كنا نحامل » ، البخاري في الزكاة باب 10 ، ومسلم في الزكاة حديث 74 ، وأخرجه بلفظ « كنا نتحامل » البخاري في تفسير سورة 9 ، باب 11 . ( 3 ) المسند 5 / 34 .